أبو علي سينا

مقدمة الفن الثاني 16

الشفاء ( الطبيعيات )

الموضوع غير محسوس في الكون « 1 » . والنمو تغير في الحجم والمقدار ، فهو تغير مكاني دون نقلة مع بقاء طبيعة الجوهر ، والكون تغير في الجوهر نفسه . ويحاول أيضا أن يفرق بين الامتزاج والاختلاط ، فعن الامتزاج ينشأ جسم متجانس ، كل واحد من أجزائه شبيه بالكل وبأي جزء آخر . أما الاختلاط فهو مجرد تجاور وتماس يبقى فيه كل من المختلطين قائما بذاته « 2 » . والكون امتزاج دائما ، ولا يحلو من فعل وانفعال ، فيتأثر المنفعل بالفاعل ، وينتج عن امتزاجهما صورة جديدة هي أشبه ما يكون بطبيعة وسطى بين الطبيعتين الأصليتين « 3 » ، وفي كل جوهر كيفية انفعالية يستعد بها لقبول فعل ما « 4 » . ولا سبيل إلى كون بدون قوة فاعلة ، فالتسخين يستلزم حرارة تنصب على جوهر مستعد لقبولها « 5 » . والقوتان الفاعلتان هما الحار والبارد ، والقوتان المنفعلتان هما الرطب واليابس « 6 » . وتتكون الأحياء وتنمو بفعل هذه القوى ، وهي تتلخص في العلل المادية ، والصورية ، والفاعلية . والغائية . ولا يخضع الكون والفساد لعالم الأرض وحده ؛ بل هو خاضع أيضا لعالم السماء . فالفلك المحيط علة دوران الشمس الدائم حول الأرض ، وعلة تعاقب الليل والنهار ، وتعاقب الفصول ، وعلة الظواهر المتصلة بهذا التعاقب على وجه الأرض . يقول ابن سينا : « فالحركات المستديرة السماوية المقربة لقوى الأجرام العالية والمبعدة هي أسباب أولى إلى الكون والفساد ، وعوداتها ، لا محالة ، أسباب لعود أدوار الكون والفساد . والحركة الحافظة لنظام الأدوار والعودات ، الواصلة بينها ، والمسرعة بما لو ترك لأبطأ ولم يعدل تأثيره ، هي الحركة الأولى » « 7 » . وفي هذا ما يفسر اطراد الظواهر الكونية وخضوعها لنظام ثابت ، وفيه ما قد يعين هلى شئ من التنبؤ بالمستقبل . وسبيله الرصد والحساب المبنى عليه اللذان يسمحان بتتبع سير الكواكب والأفلاك ، واستنتاج ما يترتب عليه . ولكن الرصد ليس من الدقة بحيث ينتهى إلى احكام يقينية ؛ هذا إلى أنه لا ينصب على وقائع جزئية ، وإنما يدور حول قضايا كلية ، وهذه لا تحقق ما ينشده القائلون بأحكام النجوم « 8 » . فينكر ابن

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 125 - 132 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 140 - 144 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 127 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 173 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 179 . ( 6 ) المصدر السابق ، ص 178 - 179 . ( 7 ) المصدر السابق ، ص 192 . ( 8 ) المصدر السابق ، ص 198 .